السيد محمد الصدر
49
منة المنان في الدفاع عن القرآن
هو إلقاء الموتى من الناس . الوجه الثاني : أنَّ مقتضى إطلاق الآية الكريمة أنَّها غير خاصّةٍ بالموتى ، بل تلقي كلّ ما فيها ، وأنَّ تخصيصها بالموتى بالذي يحصل فيها خلاف الظاهر . اللّهمّ إلّا أن يُقال : إنَّنا نفهم من القرائن المتّصلة أنَّها من مقدّمات يوم القيامة ، فإذا كان كذلك يتعيّن خروج الموتى . لكن يأتي الكلام في حقيقة وجود القرينة المتّصلة ، وأنَّ الآيات من أوّل السورة إلى هنا ليس فيها ذكرٌ ليوم القيامة ، وإنَّما هي إرهاصاتٌ ليوم القيامة ، ولكن المشهور فهم ذلك ، فلابدّ من إتيان دلالةٍ مطابقيّةٍ أو قرينةٍ ضمنيّةٍ لفظيّةٍ تدلّ على أنَّ المسألة مرتبطةٌ بيوم القيامة ، ولا يوجد في المقام قرينةٌ كهذه ، فتكون هذه الدعوى من دون دليلٍ . الوجه الثالث : أنَّنا لو تنزّلنا عن الإشكالين السابقين وقلنا : إنَّها ألقت ما فيها من الموتى ، كما قال السيّد الطباطبائي ، فإنَّ هذا يتوقّف على أنَّ فيها موتى ، أي : أجساداً بشريّةً كاملةً أو قريبةً لذلك حتّى يصحّ خروجها ، إلّا أنَّ المسألة ليست هكذا ، فمَن دُفن من الأجيال السابقة قبل آلاف السنين فإنَّ جثّته غير موجودةٍ ، مع أنَّ المفروض أن يكون القيام للجميع ؛ لأنَّ يوم القيامة حشرٌ لكلّ الناس : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا « 1 » مع أنَّه لا يوجد للسابقين إلّا التراب ، ولربما صاروا بناءً أو نباتاً أو حيواناً أو نفطاً أو صخراً ، فمن هذه الناحية لا يوجد جثثٌ ناجزةٌ للبشريّة بأجمعها حتّى تخرج إلى سطح الأرض ، وإنَّما الموجود نسبةٌ ضئيلةٌ جدّاً ، وهي الجيل المعاصر لذلك الوضع ، فعلى فهم المشهور من أين تستطيع الأرض أن تخرج الجثث إذا لم تكن ناجزةً بأجمعها ؟ فإن قلت : يأتي نفس الإشكال السابق ، وهو أنَّ ذلك يحصل بالمعجزة .
--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 47 .